الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
221
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتعريف في الثَّلاثَةِ تعريف العهد فإنهم كانوا معروفين بين الناس ، وهم : كعب بن مالك من بني سلمة ، ومرارة بن الربيع العمري من بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية الواقفي من بني واقف ، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر . ولما رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم من غزوة تبوك سألهم عن تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعترفوا بذنبهم وحزنوا . ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس عن كلامهم ، وأمرهم بأن يعتزلوا نساءهم . ثم عفا اللّه عنهم بعد خمسين ليلة . وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع الآخرين في « صحيح البخاري » و « صحيح مسلم » طويل أغر وقد ذكره البغوي في « تفسيره » . و خُلِّفُوا بتشديد اللام مضاعف خلف المخفف الذي هو فعل قاصر ، معناه أنه وراء غيره ، مشتق من الخلف بسكون اللام وهو الوراء . والمقصود بقي وراء غيره . يقال : خلف عن أصحابه إذا تخلف عنهم في المشيء يخلف بضم اللام في المضارع ، فمعنى خُلِّفُوا خلّفهم مخلّف ، أي تركهم وراءه وهم لم يخلفهم أحد وإنما تخلفوا بفعل أنفسهم . فيجوز أن يكون خُلِّفُوا بمعنى خلّفوا أنفسهم على طريقة التجريد . ويجوز أن يكون تخليفهم تخليفا مجازيا استعير لتأخير البت في شأنهم ، أي الذين خلفوا عن القضاء في شأنهم فلم يعذرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا آيسهم من التوبة كما آيس المنافقين . فالتخليف هنا بمعنى الإرجاء . وبهذا التفسير فسره كعب بن مالك في حديثه المروي في « الصحيح » فقال : وليس الذي ذكر اللّه مما خلفنا عن الغزو وإنما تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه . اه . يعني ليس المعنى أنهم خلّفوا أنفسهم عن الغزو وإنما المعنى خلّفهم أحد ، أي جعلهم خلفا وهو تخليف مجازي ، أي لم يقض فيهم . وفاعل التخليف يجوز أن يراد به النبي صلى اللّه عليه وسلم أو اللّه تعالى . وبناء فعل خُلِّفُوا للنائب على ظاهره ، فليس المراد أنهم خلفوا أنفسهم . وتعليق التخليف بضمير الثَّلاثَةِ من باب تعليق الحكم باسم الذات . والمراد : تعليقه بحال من أحوالها يعلم من السياق ، مثل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] . وهذا الذي فسّر كعب به هو المناسب للغاية بقوله : حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ لأن تخيل ضيق الأرض عليهم وضيق أنفسهم هو غاية لإرجاء أمرهم انتهى عندها التخليف ، وليس غاية لتخلفهم عن الغزو ، لأن تخلفهم لا انتهاء له .